مصطفى لبيب عبد الغني
7
دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة
مقدمة كانت الصورة المثلى للطبيب في عصر الزهراوى « * » - ومن قبل - هي صورة « الحكيم » الذي يجسّد فضائل العقل . وأطلق لفظ « الحكيم » مرادافا للطبيب على وجه العموم ، وجاء التأريخ للأطباء - في الحضارتين اليونانية والإسلامية - تأريخا للحكماء لا فرق . وعبقرية الزهراوى - فيما ترى - تتمثل في أنه أحدث تغييرا جوهريا في النظرة العلمية واتجاه التطور وفي أسلوب العمل العلمي حين رسّخ علاقة جدلية واعية بين « النظر » و « العمل » . وكما عهدنا جابر بن حيان يطلق على علم الكيمياء لفظ « الصنعة » ويسوّى بين العالم الحقيقي والصانع الدّرب « 1 » نجد الزهراوى بالمثل ، ولأول مرة في تاريخ الكتابة الطبية ، يستخدم مفهوم « الصانع » مرادفا للطبيب ، ويخص الجراحة بالذات من بين فروع الطب العديدة بأنها « صنعة » أو « عمل اليد » وممارسة ب « الات وحدايد » . وهي صنعة من أخذ بالحظ الأوفر من المعرفة الطبية لا صنعة الجهّال أو المبتدئين . « 2 »
--> ( * ) هو أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوى ، المعروف في أوروبا باسم Albucasis ويشير اسمه إلى ضاحية الزهراء من ضواحى قرطبة حاضرة الأندلس والتي بناها عبد الرحمن الثالث الناصر . وكانت حياة الزهراوى في فترة حكم عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم الثاني المستنصر وابن أبي عامر المنصور للأندلس . ( 1 ) يؤكد جابر بن حيان هذا المنحى الجديد في قوله : « من كان دربا كان عالما حقا ومن لم يكن دربا لم يكن عالما ، وحسبك بالدّربة في جميع الصنائع أن الصانع الدرب يحذق وغير الدرب يعطل » . ( كتاب « السبعين » ص 464 ضمن : « مختار رسائل جابر بن حيان » عنى بتصحيحها ونشرها بول كراوس ، القاهرة 1354 ه ) . ويقول أيضا : « كم من عالم دارس إذا بلغّ إلى العمل وقف ، فيكون أضعف أصحاب الصناعة أنفذ في ذلك الأمر من العالم الفائق » . ( « كتاب البحث ص 308 ، مخطوط بمكتبة جار الله باستنبول ، برقم 1721 ) . ( وصحة عنوان الكتاب هي : « النخّب » . ( 2 ) لم يكن تبويب الزهراوى لموسوعته الطبية العظيمة « التصريف لمن عجز عن التأليف » عملا عشوانيا . ولم تأت المقالة « الثلاثون » عن الجراحة المقالة الأخيرة بمحض الصدفة ولكنها جاءت كذلك لتكون ختام المسك وتاج التأليف الطبى عنده يسبقها بالضرورة ما يلزم للطبيب معرفته -